المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رقبة بقرة القرقبي 3/3


سليمان الخضير
10-05-2009, 07:27 PM
1/3



قبل نهاية الفصل الدراسي الأول بشهر واحد،


كُلفت بتدريس بعض المواد لطلاب الصف الثالث الابتدائي،


وحين باشرت العمل طلبت من كل تلميذ أن يقرأ نصًا؛


حتى أتعرّف مستواهم، ولأضع - من ثَمّ - خطتي في تحسين أدائهم


....



وصل الدور إلى تلميذ يقبع في آخر الصف،


قلت له: اقرأ


لم يمهلني بقية الطلاب لأسمع منه جوابًا


قالوا بصوت واحد:


"ما يعرف، ما يعرف يا أستاذ"



آلمني كلامهم


كما آلمه هو أيضًا


وآلمني أكثر رؤية الطفل "الكسير" الذي احمر وجهه،


وغرق في عرقه


...


دق الجرس وخرج التلاميذ للفسحة،


بقيتُ مع هذا الطفل الذي ساءني حاله،


تحدثت إليه... ردوده جاءت مقتضبة ومحدودة


خمّنت أنه محبط، وغير واثق من قدراته، حتى هانت عليه نفسه؛


ليس لأن جميع التلاميذ أحسن منه،


بل لأنه، في نظر نفسه، أسوأ منهم،


ولا يستطيع أن يقرأ كما يقرؤون،




ذهبت من فوري، واستأذنت في الاطلاع على ملف هذا الطفل؛ فوجدته من أسرة ميسورة، وبيته مستقر،


خمّنت أن الإحباط الذي يسيطر عليه من المدرسة لا من البيت،


وتفرّست بأنه ذكي،


لأنه كثيرًا ما قدّر أن الأذكياء حساسون،


ومشاعرهم مرهفة،


يتجنبون المهاترات؛


لأن ذلك - في رأيهم - يقلل الخسائر




بدأت معه خطتي،


سأجعله يتميز...


و"النجاح يولد النجاح"


لا بد أن فيه خصلة جديرة بالتميز...


لكن تحدي الوقت و"ظروف الطالب النفسية"


قد لا تسعف في اكتشاف تلك الخصلة،



حسنًا، ربما يحتاج أن أهيئ له فرصة لأن يتميز


حتى لو كانت باختلاق هذه السمة... مؤقتًا




قرّرت أن أعطي هذا التلميذ تميزاً


لا يوجد إلا فيه وحده، ليتحدى به الجميع،


غيّرت مكان مقعده، وأجلسته أمامي في الصف الأول،



كتبت له جملة كنا نرددها ونحن صغار


كانت جملة صعبة النطق،


أفهمته معاني كلماتها،


كتبتها على ورقة صغيرة،


وضبطتها بالشكل،


وطلبتُ منه أن يحفظها ويتدرب على قولها بسرعة


وألا يطَّلع عليها أحد كائنًا من كان




من يوم لآخر، كنت أراجعها معه


بعيدًا عن أعين بقية التلاميذ




من عادتي أن أروي قصة للتلاميذ نهايةَ كل حصة


إذا (وإذا فقط) أدوا ما أكلفهم به من حفظ وواجبات،


وإذا تعثر بعضهم في أداء الواجب منعت عنهم القصة جميعًا،


ليساعدوا زميلهم المتعثر في أداء واجبه



بعد أن وثقت في حفظ التلميذ "المحطَّم" للجملة الصعبة


وجاء اليوم الذي كان فيه الطلاب متشوقين للاستماع إلى


تتمة قصة ماضية،


اعتذرت إليهم، واستأذنتهم في ذكر قصة أخرى



***


يتبع...

سليمان الخضير
10-05-2009, 07:32 PM
2/3



اعتذرت إليهم، واستأذنتهم في ذكر قصة أخرى



سردت عليهم قصة من خيالي، من أجل أن أُدخل فيها الجملة الصعبة التي حفّظتها لذلك الطالب


وكان مما قلت



كان هناك جماعة يقال لهم "القراقبة" يسكنون في قرية ما،


وفي كل عيد أضحى كانون يذبحون بقرًا،


ويتفاخرون بذبائحهم،


فكان كل واحد منهم يربي بقرته من الحج إلى الحج،


سنة كاملة يغذوها بأجود الأعلاف،



وكغيره من أبناء القرية كان عند "علي القرقبي" بقرة


لكنها كانت أكبر الأبقار وأسمنها،


كان الجميع ينتظر العيد لتذبح تلك البقرة،


ليأكلوا من لحمها ويشربوا من مرقها



من عادة أهل القرية أيضًا


أنهم بعد أن يطبخوا رقاب الأبقار


يضعون مرقها في أوانٍ تجمع في مكان المعايدة،



دخل شباب القرية وأخذوا يحتسون المرق في كل إناء،


فصاح أحدهم مفتخراً بفطنته:


عرفتها... عرفتها، فقالوا له: ماذا عرفت؟



قال: "أنا عرفت مرقة رقبة بقرة علي القرقبي من بين مراق رقاب أبقار القراقبة"



فاجأت التلاميذ بهذا الطلب


من "الذكي" الذي يعيد هذه العبارة؟


فدهشوا،


وطلبوا مني إعادتها،


فأعدتها لهم،



وقلت: من "المميز" الذي يعيدها؟


فحاول عريف الصف... والذين يشعرون في أنفسهم بالتميز،


فلم يستطيعوا إعادة حتى ثلاث كلمات منها،



فأكّدت لهم: هذه لا يستطيع أن يقولها إلا "عبقري" فهِم معناها،


أين الذكي فيكم؟


والذي يريد المشاركة أطلب منه الخروج عند السبورة ومواجهة زملائه،


وأنا أنظر إلى هذا التلميذ،


فإذا نظرت إليه خفض يده؛


وإذا أعرضت عنه ألمحُ أنه يرفع إصبعه عالياً



بعدها تدخّلت وطلبت من الطفل أن يقول


الجملة وهو جالس في مكانه،


فقالها وهو جالس على كرسيه؛ فصفقت له،


وإذا بي أنا الوحيد المصفق،


وكأن التلاميذ لم يصدقوني،


لأنه قالها بصوت خافت،


علاوة على أن التلاميذ لم يلقوا له بالاً



طلبت منه إعادتها مرة ثانية، بصوت أعلى وهو واقف


ابتسمت في وجهه، وقلت له: أنت البطل، أنت أذكى من في الفصل،


فقام وأعاد الجملة، ورفع صوته، فصفقت له أنا ومن حوله من التلاميذ، فتساءل الآخرون: قالها يا أستاذ؟ قلت: "نعم؛ لأنه ذكي"



الآن وثقت من هذا التلميذ بعد أن شجعته،


فقلت: اخرج أمام الطلاب وقلها مرة أخرى،


أخذت أشحذ همته وشجاعته، أنت الذكي، أنت البطل، فخرج وقالها والجميع منصتون، ويستمعون في ذهول



طلب التلاميذ أن آمره بأن يعيدها لهم


فاعتذرت إليهم،


وقلت لهم: اطلبوا أنتم منه ذلك



طلبوا منه الإعادة مرة أخرى، فأخذت بيده،


وقلت لهم أتعبتموه وهو يعيد لكم وأنتم لا تحفظون،


ولا معانيها تفهمون،


لأنني كنت على ثقة أنهم سيستمرون في طلب تكرارها


فتركت ذلك له حتى يزداد ثقة بنفسه



دق جرس انتهاء الحصة،


وجاء وقت النزول إلى فناء المدرسة للفسحة،


ولكن



***


يتبع

سليمان الخضير
10-05-2009, 07:38 PM
3/3



دق جرس انتهاء الحصة،


وجاء وقت النزول إلى فناء المدرسة للفسحة،


ولكن


لم يخرج التلاميذ هذه المرة من الصف


إلا بصحبة هذا الطالب


وأخذوا ينادونه باسمه، وكوّنوا كوكبة تمشي


وهو في وسطهم كـ"سوبر ستار"



خرجت خلفهم، وشاهدت التلاميذ ينادون إخوانهم وأصدقاءهم


في الصفوف الأعلى، ويجتمعون حول هذا الطالب النجيب وهو يعيد لهم،


يرددون خلفه، وهو يصحّح لهم،


كثر أصدقاء هذا الصبي وجلساؤه


وبعد أن كان نسياً منسياً، وثق بنفسه،



وفي اليوم نفسه طلبت منه


أن يعرض هذه الجملة على أبيه وأمه وإخوته،


ومعارفه، وأن يتحداهم في إعادتها،


وما هو إلا أسبوع واحد حتى حلّت إجازة نصف العام،


...



بعد الإجازة قابلت ولي أمر طالب


...


لقد كان والدَه


قال لي: جزاك الله خيراً يا أستاذ،


وبارك الله لك في أولادك؛


جزاء ما فعلت مع ولدي،



وأضاف: سألني الأقارب الذين زارونا في الإجازة:


"أين وكيف عالجت ابنك من التأتأة؟"،


وكيف أنه بعد أن كان خجولاً منطوياً،


أصبح يتحدى الكبار والصغار رجالاً ونساءً،


في إعادة جملة صعبة؟،


فأجبتهم – والحديث للأب – لقد تلقى علاجه عند طبيب ذكي!


فسألوني: ومن ذلك الطبيب؟


فأخبرتهم بأنه أنت


"يا عوض الزايدي"


جزاك الله خيراً



استمرت علاقة الأستاذ عوض الزايدي بالأب حتى اليوم،


يخبره من وقت لآخر عن ولده، وأنه انطلق بعد هذه القصة العلاجية



حفظ القرآن الكريم كاملاً،



تخرج في الثانوية العامة القسم العلمي بامتياز (96%)



التحق بالجامعة قسم الرياضيات،


كان يتلقى الكثير من شهادات الشكر والثناء والتميز كل عام،


ثم تخرج بامتياز مع مرتبة شرف.



عُين معيداً في إحدى الكليات


علم أ. الزايدي أنه حصل على قبول


للدراسات العليا في جامعة أجنبية عريقة


ربما كانت "جامعة ليدز"... وربما غيرها



ولا يزال المستقبل الواعد ينتظره بالكثير،


بعد أن ذاق حلاوة النجاح الأول




المعلم: عوض الزايدي


برواية أ.د. محمد الأحمد الرشيد


وبصياغتي

لمــار
10-07-2009, 01:12 AM
معلم ذكي .. و رائع ..

أسلوب حكيم جدا منه ..

بارك الله في هذا الأستاذ .. و جعل جميع من يحملون التعليم أمثاله ..

فمن خلال قرائتي للقصة .. اكتشفت بأن المعلم ..

عوض الزايدي << أعجبها الاسم .. هههههههه

حريص كل الحريص على نفسيات طلابه قبل كل شي ..

هنيئا لك بالأجر ..

من المعلمين أو المعلمات .. من يزرع عدم الثقه في الطالب بكلمه بسيطه قد لا يلقي بها بالا .. لكنها لا تمر بسلام على ذلك التلميذ ..

كل الشكر و التقدير لك ياسليمان على هالقصة الراقيه ..

و التي ترتقي بعقول الكثير ..

و تعلم الجميع ان الانسان مهما كان سيء فتوجد لديه أشياء مخبأه لا يكتشفها إلا من يعيد الثقة له .. لاستخراج كنوز من هذا الشخص ..

موضوع يستحق التثبيت و بجداره ..

أبو هشام الفيفي
10-07-2009, 04:12 PM
أسجل إعچابي البالغ بالقصة

وأعد بالعودة إليها قريبا

لأنها أثارت لديّ رواية مكونة من حوالي 345 صفحة:shok:

وأنا الآن بصدد اختصارها لتتناسب مع الموضوع بوصفها تعليقا :shok:

أخوك المحب

سليمان الخضير
10-08-2009, 02:42 AM
أشكر مرورك
وأفاخر بإعجابك
رواية مكونة من حوالي 345 صفحة
:8:
أخمن أن للرقم دلالة ما أعمق من كونه عدد صفحات

متشوق لعودتك... ومتشوق أكثر
لأتصفح روايتك

ya sater
10-08-2009, 04:45 PM
قصه رائعه اخوي سليمان ..... ابدعت بصياغتها

لك كل الشكر

سليمان الخضير
10-08-2009, 07:20 PM
الله يحييك أخوي
ya sater
= ممتن لإطلالتك... وسعيد بأنها راقت لك =

تقبل مودتي

الـدكتـور
10-09-2009, 03:13 AM
قصة جميلة وصياغة اجمل حقيقة .. المغزى جدا رائع والهدف سامي
لك الشكر على ماتفضلت به .. بالنسبة لأبي هشام والقصة المكونة من
مئات الصفحات .. فنحن له وللقصة منتظرين :sweatdrop:
يعطيكم العافية

سليمان الخضير
10-16-2009, 11:57 AM
مرحبًا بمرورك يالدكتور
ومشكور على تعليقاتك
بالنسبة لأبي هشام والقصة المكونة من
مئات الصفحات .. فنحن له وللقصة منتظرين :sweatdrop:
بالتأكيد

أبو هشام الفيفي
11-02-2009, 11:59 PM
السلام عليكم ورحمة الله

أولا أعتذر عن التأخر الشديد عن التعقيب... كان ذلك بسبب انشغالي بالكتابة البحثية.. ومثلكم لا يخبر بهذا.

ثانيا: أنا أتعامل مع هذه الحكاية الرائعة والتي ازدادت تميزا لصياغتها بقلم أبي سعد... أتعامل معها بوصفها فكرة لا بوصفها قضية فردية.

أعلم أن القصة حقيقية في مجملها، أو هكذا بدا لي، ولكن ظلال القصة وخلفيتها ومراميها هي الرسالة الحقيقية المهمة في اعتقادي.

في الواقع ليست لدي رواية لا 345 ولا 543. القضية وما فيها أني فكرت يوما ما أن أكتب عن موضوع شبيه بهذا الموضوع سببه قصة حصلت لي، وتحصل للآلاف وربما الملايين من الناس.

كنت قد تراخيت في ذلك الموضوع وظننت أني أبالغ فيه كعادتي ... ولكن هذه القصة أعادت إليّ التفكير بشكل جاد حول التصرف والأثر بشكل عام.

القصة باختصار أنني كنت أحب القراءة جدا منذ صغري، وكنا في بيئة نائية لا يوجد فيها أي نص مكتوب يمكن قراءته، بما في ذلك القرآن الكريم!

لذلك لم أجد لهذه الطاقة مكانا للتفريغ في كل المرحلة الابتدائية، غير أني كنت أنتظر بداية كل عام دراسي لأنظر ما الذي تأتي به مادة القراءة من جديد القصص الطفولية، والتي كان معظمها يدور حول الثعلب ومغامراته!

كنت أتلقفها بشغف جنوني كمن تناول مشروبا غريبا في ليلة مائلة للبرودة ثم عثر على شيء لم يكن له به عهد. للأسف فإن قصص الثعلب وزملاءه تنتهي في اليوم الأول من استلام الكتب، ويتم إعادة قراءتها عدة مرات، ثم تبدأ، منذ الأسبوع الأول، رحلة انتظار بداية العام القادم، رغبة في لقاء الثعلب الغراب على صفحات كتيب القراءة.

في المتوسطة(1)، كان لدينا معلم سوري يدرّسنا العربية يسمى؛ عثمان أحمد عثمان، وكان يأخذنا كل اثنين إلى مكتبة المدرسة الصغيرة، ويعطي كلا منا قصة صغيرة، تمثل الصور أكثر من ثلثيها.

كانت قصصا مرعبة حول الجان والسحر والمسخ والغابات وما شابه ذلك، لكنها مع ذلك كانت مثيرة بشكل لا مثيل له. طبعا لم تكن تلك الصفيحات لتشبع نهما للقراءة، ولكنها كانت خطوة مهمة في طريق الحياة. للأسف لقد ظننت خطأ أنني لو أخبرت أستاذي عن أني أنتهي من القصة قبل ذهابي إلى البيت في يوم استلامها نفسه.. خشيتُ أن أخبره أني أنتظر أسبوعا كاملا للحصول على قصيصة جديدة.

كان للمعلم رهبة عظيمة في نفوسنا.. لذا فقد خشيت فعلا أن يغضب من طلبي فيحرمني من الحصول عليها نهائيا. فقلت في نفسي: واحدة في الأسبوع خير من لا شيء. والآن أظن أنه كان سيبتهج فيما لو قدر لي أني امتلكت شجاة كافية لأخبره، حيث سيشعره ذلك بأن حصة المكتبة قد آتت بعض ثمارها.

علاقة هذا التعليق بالموضوع: هو أن شخصا ما (ربما يكون معلما وربما غيره) قد يترك أثرا في حياة المرء لا يمّحي من ذاكرته وسلوكه ما دام على قيد الحياة. الأستاذ عثمان فتح لي آفاقا لا نهاية لها، وهذا قد يبدو غريبا، في ظل محدودية النص المقروء.

الآفاق التي أعنيها ليست التشجيع على القراءة وحب الاستطلاع. لا، فهذا موجود سلفا. بل ما فعله، وهو بغير قصد بكل تأكيد، هو أن مجال القراءة لم يكن مؤدلجا. كثير من الناس يستمتعون بالقراءة، ولذلك تجد لديهم مخزونا هائلا من المعلومات والثقافة ليس من السهل الحصول عليه، ولكن، وللمفارقة، أنك تجد لديهم جهلا عجيبا، وسذاجة لافتة في أمور لا يتوقع وجودها لدى قارئ عادي، فضلا عن أن يكون قارئا كبيرا.

القضية هي في التوجيه، ومع أني لا أذمه بالمطلق، ولكنه ليس عدلا أن تأطر إنسانا على حقل ما، بحيث يجد نفسه محصورا فيه وأسيرا له. وهذا ما نفعله مع أبنائنا وأقاربنا عادة، إذ نريد لطموحاتنا أن تتحقق فيهم. نتيجة لهذا تفشل كثير من المشاريع الموجهة، وربما ينقلب أصحابها عليها بشكل عنيف ومدمر، بسبب معرفتهم بخبايا ذلك الحقل الذي بقوا ضمن إطاره سنين عددا.

بارك الله في ذلك الأستاذ الألمعي الذي غير حياة التلميذ الخجول الهادئ بواسطة مرقة رقبة بقرة القرقبي!

وبارك في ذلك الطالب الذي قد يكون في جامعة ليدز، أو في غيرها! ويسر له باقي مسارات حياته.

وبارك فيك أبا سعد وفي مقاصدك النبيلة، وعقليتك الراقية التي لا تقل سموا عن عقلية الزايدي إن لم تفقهُ.

وأرجو منكم جميعا المعذرة على سرد بعض الخصوصيات التي قد لا تهم معظم القراء


أخوكم المحب أبو هشام

-----------------------------------------
(1) كانت السنة التي درست فيها الأولى الابتدائية، هي سنة افتتاح أول مدرسة نظامية في المنطقة المحيطة بنا منذ انحسار طوفان نوح عليه السلام! لذا لم تكن لدينا - بطبيعة الحال - مرحلة متوسطة. لقد اضطررت للانتقال إلى منطقة أخرى والعيش مع عائلة! حتى إذا ما جاءت نهاية الأسبوع عدت إلى أسرتي، وفي بعض الأحيان لا أعود إلا بعد أسبوعين، لقد عشت مع عدة عوائل أثناء المرحلة المتوسطة، وكلها أذكرها بخير.

سليمان الخضير
11-03-2009, 01:50 PM
مرحبًا بعودتك أبا هشام
***
لنلقِ عن أكتافنا عبء السفر
حيث يسعنا هنا أن نبوح دون أن نضجر أحدًا

أول مدرسة نظامية في المنطقة المحيطة بنا منذ انحسار طوفان نوح عليه السلام
أضحكتني حتى استلقيت على قفاي
لكني لم آمر لك بعطاء
لأني لا أملك ما تستحق

أتعامل معها بوصفها فكرة لا بوصفها قضية فردية
بالضبط هي كذلك
العبرة بالفكرة... لا بحادثة العين هذه
ولذا قد يكون ذلك الطالب محظوظًا
إذ قُدر أن تكون إفاقته على يدي ذلك المعلم
وربما لم يتمكن ذلك المعلم لاحقًا من إحراز
أي عملية إنقاذ غير هذه
***
كما ترى القصة ليست من روايتي
ولا حتى من صياغتي
بالرغم من أني رممتُ فيها بعض الشيء
تبعًا لذائقتي... لا لمقومات الكتابة القصصية
لم تلقَ القصة - أول ما نشرها د. الرشيد - الكثير من الحفاوة
لكنها أعجبتني
فتدخلت في بنائها بعض الشيء
وأعدت نشرها في هذا المنتدى
وما هي إلا مدة يسيرة
حتى كأنما نُفخ الروح في القصة (الأصل) وفطن لها الناس
فملأت المنتديات
وتبادلها أصحاب الإيميلات في قروباتهم
(حمدت الله أني أشرتُ إلى الكاتب الأصلي
وإلا لأصبحت وصمة)
***

المثير في القصة
رهافة حس ذلك المعلم وفطنته
ورفضه الاستسلام للانطباع الأول
وطول نفسه للانتقال بالطالب من حافة الهاوية إلى جناح التميز
معلم لم يرضَ بالحد الأدنى من الأداء
الذي يرفع لواء "اللي يفهم يفهم... وإلا ما يفهم
(إنك لا تهدي من أحببت)"
***

تمنيت أن أسمع القصة
من وجهة نظر الطالب نفسه
كما كنت أتمنى دائمًا أن أسمع من طلابي
ماذا أضفتُ إليهم
كيف هي قراءتهم لسيرة معلم في معمعة سائر المعلمين
معلم قد لا يملك من مقومات المهنة سوى محبتها
(والمحبة مقوّم لا يكفي لوحده، بطبيعة الحال)
لكن الطلاب غالبًا يتعاملون مع المعلم بـ"رسمية" بالغة
أو على حد وصفك
للمعلم رهبة عظيمة في نفوسنا
هذه الرهبة إذا لم تتضاءل إلى القدر الطبيعي
قد تتحول إلى كراهية
***

دام أنك ذكرت طرفًا من الماضي
فائذن لي ـ وليس هنا سوانا ـ بالعودة إلى الوراء
لكن ليس إلى العصور السحيقة حيث أبحرت بنا حتى شارفنا
على أطلال سفينة نوح - عليه السلام -
إنما عودة إلى الوراء قليلاً
وُلدتُ في مزرعة، ولم أحسن الفلاحة
ومع ذلك أصبحت نصف فلاح
ونصفي الآخر "قَرويّ"
وظللت أعاني من "الكسور" والرضوض
بسبب الرياضيات
فلاح وقروي.. في مناحٍ كثيرة من الحياة
من بينها اللباس
لا أحسن أن ألبس كما يلبس أقراني
وحتى حينما بدأت التدريس لم أكن أحسن أن ألبس كما يلبس طلابي أيضًا
خاصة وأني كنت أدرّس في العاصمة... حيث للموضة كلمتها
وحيث العاصمة محطة كل جديد
قابلت يومًا أحد طلابي في الحرم المكي مصادفةً
وقد أصبح معلمًا... ويقضي مع عروسه أيامه الأولى
في "فندق دار التوحيد"
كان مما سألته:
برأيك ماذا أضاف إليك "سليمان الخضير"
فتمتم بكلمات كادت تموت على شفتيه
فقلت قد لا تكون لديّ أية إضافة
المهم ألا أكون "مدينًا" على الأقل
حسنًا... ماذا كنت تنقم عليّ إذ ذاك
فقال "المبالغة في اللباس"
:oops:

فصُدمت... وجادلته
قلت "أتسخر؟"
أنا لا أحسن اختيار القماش... فضلاً عن تفاصيل الزي
كنت "نحيلاً" كأفضل نموذج لسوء التغذية
فطفق يقنعني أني كنت كذلك
:sweatdrop:

فصمتُ حائرًا
وأيقنت أن مزاعمي في "فهم الناس" وهْم كبير
***

بعد أشهر قليلة من انتقال طالب من المدرسة التي كنت فيها
قابلته في اجتماع دوري نظّمه زملاؤه السابقون
دُعيت إلى ذلك الاجتماع
فصار الطالب يتحدث عن تجربته الجديدة... في المدرسة الجديدة
وعن مدرّس المادة التي أدرّسها
فسألته كيف وجدتَ ذلك المدرس؟
(كنوع من التعريض... أتوقع أنه "فقَد" شيئًا كان يجده عندي
تعاملاً ودراسته)
لقد كان الطالب شجاعًا وقال:
"بصراحة... أحسن منك!"
:11retcher:

فأسفت لحالي
*
*
*

أبو هشام الفيفي
11-11-2009, 03:01 PM
... وُلدتُ في مزرعة، ولم أحسن الفلاحة
ومع ذلك أصبحت نصف فلاح
ونصفي الآخر "قَرويّ"

---------------------
المشكلة أني كنت مثالثا، ثلث قروي بحكم المكان، وثلث فلاح بحكم الزراعة، وثالثة الأثالث! أعرابي؛ إذ كنا ننتقل بمواشينا ما بين موسمي الزرع والحصاد، إلى منطقة لا زرع فيها!!
هل رأيت؟
كانت مشكلتك مع الرياضيات، وكانت مشكلتي مع الدراسة نفسها!!

بالمناسة، هل سمعت بحكاية الأعرابي والمصارعة؟
على أية حال، إن شئت، فإنها بآخر صفحة هذا الرابط
http://visit-hasan-alfaify.blogspot.com/ (http://visit-hasan-alfaify.blogspot.com/)

---------------------

فسألته كيف وجدتَ ذلك المدرس؟
(كنوع من التعريض... أتوقع أنه "فقَد" شيئًا كان يجده عندي
تعاملاً ودراسته)
لقد كان الطالب شجاعًا وقال:
"بصراحة... أحسن منك!"
:11retcher:
---------------
بصراحة أحسن منك!!
ههههههههههههههههاي ولا أروع:11age5:
--------------

... وأيقنت أن مزاعمي في "فهم الناس" وهْم كبير
***
--------
ليتنا نوقن بهذا منذ الآن، لكننا سنزعم، ولن نفعل!!







دمت موفقا أبا سعد